الأمازيغية، والبعد الثقافي – الاقتصادي، للعلاقات المغربية – الإفريقية.

4 مايو 2017 تحديث : الأربعاء 3 مايو 2017 - 7:49 مساءً

الأمازيغية، والبعد الثقافي – الاقتصادي، للعلاقات المغربية – الإفريقية.
قاسيطة سيتي / محمد فارسي
      عرف المغرب مؤخرا تغيرات على مستوى مناخ السياسة الخارجية، إذ تم توجيه البوصلة السياسية-الاقتصادية نحو القارة السمراء، التي تزخر بثروات طبيعية هائلة تنتظر فرج الإنتاج. هذه المهمة التي  أخذت الدولة المغربية مشعلها في إقامة استثمارات اقتصادية جد مهمة في العديد من الدول الإفريقية كخطوة أولية تستدعيها الإستراتيجية الاقتصادية على المدى البعيد، وخلق روابط متينة معها. فبالرغم من انسحاب المغرب من الاتحاد الإفريقي، فإنه بقي على عهد الروابط التاريخية التي تجمعه مع دول إفريقيا. وما هذا الانسحاب  إلا معبر عن مدى قدرة الدولة المغربية في تحملها المسؤولية بشكل فردي ومستقل في خلق علاقات سياسية – اقتصادية بدون أي تنظيم إفريقي أو غيره ينظم العلاقات فيما بينها.
      وفي نفس السياق، نجد أن العلاقات المغربية – الإفريقية مبنية على قدر مهم من الأسس الثقافية والدينية، لتتقوى فيما بعد بالأساس الاقتصادي، وفي هذه الأسطر سنتطرق إلى البعد الثقافي – الاقتصادي في العلاقات المغربية بإبراز علاقة التأثير والتأثر التي تربط الثقافة بالاقتصاد.

• البعد الثقافي – الاقتصادي.

      شكلت القارة الإفريقية على مر التاريخ محطة هامة لتنوع الثروات الطبيعية وكثرتها، نظرا للموقع الاستراتيجي التي تتخذها على هذا الكوكب، بالإضافة إلى التنوع الثقافي الغزير الذي تتسم بها كل دولة إفريقية. والمغرب كدولة إفريقية شمالية، تتميز بمركب ثقافي متميز عبر التاريخ، لكنه في يومنا هذا يطغى عليه طابع التهجين بفعل التراكم التاريخي، وأصبح المغرب ذو ثقافة غير مستقرة، و هذا راجع إلى عدم وجود مؤسسة وطنية (كالمجلس الوطني للغات والثقافات المغربية)،تعمل على بلورة ثقافة مغربية خالصة مؤسسة على التنوعات الثقافية الداخلية للمغرب، يمكن لها أن تخضع للآلية الاستثمار الثقافي. وهذا ليس قدحا في الثقافة المغربية الحالية على أنها غير مجدية النفع أوهي خصوصية مغربية فقط، بل نجد أيضا الثقافة الإفريقية الجنوبية تعيش في عمقها نفس الإشكالية، ولكن ما يميزهاعن غيرها، هو ظهورها على الساحة العالمية بإحداثها ثورة ثقافية بمختلف أشكالها من خلال الموسيقى والفن بكافة أنواعه، و السياسة حيث أنتجت  زعماء لحركات تحررية أثروا في العالم من خلال إنتاج ثقافة سياسية راقية ( باتريس لومومبا ،كوامي نكروما… ) وأيضا في مجال ثقافة حقوق الإنسان (نيلسون مانديلا )..، بالإضافة للعديد من المجالات الثقافية الأخرى.
      إن الحديث في موضوع الثقافة يستلزم في البداية، تحديد الفاعل في إنتاج هذه الثقافة،, ففي المغرب نتحدث عن ثقافة المجتمع المغربي بتعدد تلاوينه، و الدولة هي التي تتحمل المسؤولية في عملية تطويرها واستثمارها عبر مؤسساتها .والثقافة المغربية بتجانسها تشتمل على الثقافة الأمازيغية بتفرعاتها التي تسهر عليها مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، و الحسانية و العربية كما نصت عليها الوثيقة الدستورية المغربية. وما ينبغي مرحليا هو كيفية هيكلة هذا الكم الثقافي المغربي بشكل علمي وموضوعي دقيق لينتقل إلى ثقافة مغربية نوعية خاصة من خلالها يمكن أن توضع استراتيجيات اقتصادية للترويج لها  وتعود من خلالها على البلد بعائدات اقتصادية فيما بات يعرف بمبدأ(رابح رابح)، وخاصة بعد ظهور الرأسمال اللامادي كمفهوم جديد في علم الاقتصاد يحظى باهتمام كبير مع اقتصاد المواد، وهنا نجد أن إفريقيا بمجملها غنية من كلا الجانبين يمكن من خلالها أن تأثر على الساحة العالمية .

جدلية الثقافة والاقتصاد.

      إن الخوض في نقاش الثقافة بعلاقتها مع الاقتصاد، يجب اعتبار الثقافة جزءا أساسيا من البنية الاجتماعية التي بدورها تنقسم إلى بنية تحتية ( الاقتصاد )، وبنية فوقية حيث تحتل فيها الثقافة مكانتها الطبيعية، وتتجلى علاقة التأثير والتأثر بينهما بشكل مباشر. ولكن بتموقع الاقتصاد في البنية التحتية فإنه يعد المؤثر الرئيسي في تطوير الثقافة نحو الأحسن أو الأسوأ،  وهنا نستنتج بأن قوة النظام السياسي تتمركز على اقتصاده، وبالضبط على امتلاكه لاقتصاد وطني لا تبعي، من خلاله يمكن أن ينتج في كل المجالات بشكل خالص وذلك بالاستقلالية التي سيحظى عليها على  صعيد جميع الجوانب، وهنا لا ننفي بأن الاقتصاد (الرأسمال المادي) هو المحدد دائما، ونطعن في عنصر الثقافة (الرأسمال اللامادي)، بقدر ما نؤكد على أن انطلاقة أي عنصر فوقي من البنية يستوجب مولدا اقتصاديا ماديا محضا، لأنه لا توجد حركة بدون مادة.
      وفي هذا الصدد فإننا نجد عدة أمثلة تدعم ما ذكرناه، كالثقافة واللغة الصينية التي غزت العالم وفي شتى المجالات بفضل الأساس الاقتصادي المتين، ، إذ نجد اليوم العديد من الدول تتسارع للتوقيع معها على اتفاقيات في مجالات عدة، بل نجد أن حتى الدولة المغربية بأحزابها السياسية تضع اتفاقيات شراكة للاستفادة من خبراتها. وتفوق الدولة الصينية على المستوى العالمي لم يكن وليد الصدفة، بل ساهمت فيه عدة عوامل تاريخية، أبرزها الثورة الاشتراكية التي عرفتها بقيادة (ماو تسي تونغ)، حيث أزالت هجانة النمط الإنتاجي التي كانت تسودها والتمهيد لنمط إنتاج اشتراكي مؤسس على النشاط الاقتصادي الزراعي، ليتطور إلى التفوق الذي تعرفه اليوم ، و هذه الثورة التي قلبت البنية الاجتماعية للمجتمع الصيني في البداية رافقتها أيضا الثورة الثقافية، و أصبحت اليوم الثقافة الصينية هي المحدد، بعد أن كان الاقتصاد مولدا لها.
      من خلال ما ذكرناه لا يمكن أن نقول بأن المغرب يجب عليه حل التناقضات الاقتصادية التي يعيشها، والخوض في إلغاء جميع الاتفاقيات الاقتصادية التي تجمعه مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية وأمريكا والتأسيس لاقتصاد وطني لأن هذا الأمر فات عليه الأوان ومستحيل في ظل الشروط السياسية الحالية، ولكن يمكنه أن يؤسس لثقافة وطنية حقيقية، انطلاقا من التراكم الإنتاجي الأكاديمي المغربي بمختلف تلاوينه .

•  الأمازيغية، والعلاقات المغربية-الإفريقية.

      إن حديثنا عن الأمازيغية وخاصة على مستوى دمجها في العلاقات المغربية – الإفريقية، لم يأت اعتباطيا بقدر ما نشير إليها بصفتها المكون الحضاري والتاريخي والهوياتي الأساسي للمغرب، و بمقدورها أن تشرف المغرب ثقافيا في العلاقات الجديدة، وذلك لما تتميز بها من قيم الانفتاح وتجسيد قيم الاختلاف الديني والإثنى والعرقي.  وبالرغم من كل هذه القيم الكونية الراقية التي تعرفها الأمازيغية إلا أننا لم نجد أي تفاعل مع متطلبات الرقي بالأمازيغية الى المكانة التي تتوق إليها لا من طرف الحكومة المنتهية ولايتها، ولا من طرف الحكومة الجديدة بقيادة سعد الدين العثماني.
      انطلاقا من التعديل الدستوري الذي عرفه المغرب سنة 2011، وتركيزه على دمج الأمازيغية كلغة وثقافة وطنية يمكن القول افتراضا، بأن هذه المرحلة هي التي ستحسم الأمر، باعتبار الثقافة واللغة الأمازيغية الهوية الإفريقية الأصلية من خلالها يمكن أن تأخذ المشعل في تطوير العلاقات المغربية – الإفريقية على المستوى الثقافي، وذلك عن طريق الثروة التي تحتوي عليها الأمازيغية وخاصة بالإنتاج الأكاديمي الأمازيغي المغربي الضخم، الّذي لا زال حبيس رفوف المكتبات، إذ لم ير ترويجا حقيقيا بعد خارج الحدود.
      ويعتبر هذا التماطل الحكومي الذي ينهج مع الأمازيغية بعدم تنزيل القوانين التنظيمية له ، مؤثرا سلبيا على العلاقات المغربية الجديدة، باعتبار البعد الثقافي والديني أساس بناء هذه العلاقات، إذ من خلال هذه الفرضية يمكن للدولة المغربية أن تتعامل بشكل براغماتي مع الأمازيغية والعمل على الإسراع لتنزيل القوانين التنظيمية وتفعيلها، وذلك لبلورة هذه الثقافة واللغة على أرض الواقع لإدماجها في العلاقات الثقافية مع إفريقيا، مادامت الإرادة السياسية الحقيقية غائبة للتعامل مع الأمازيغية بشكل جدي .
رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*نص
الاسم*
البريد الالكترونى*
الموقع الإلكتروني
انشاء حساب او تسجيل الدخول
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة قاسيطة سيتي.نت وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.