سأعاتبك حياتي

1 يناير 2017 تحديث : الأحد 1 يناير 2017 - 12:18 صباحًا

سأعاتبك حياتي
 عادل الرضواني
السلام عليك أيتها الحياة، كيف حالك؟ أكتب إليك اليوم ما أكتب لأني أجد نفسي في حاجة ملحة لمخاطبتك. لقد سئمت جدا أن أكلم نفسي كل مساء في المرآة، لا أنا بعاقل ولا أنا بمجنون، أسرّ إلى زوايا الغرفة أشجاني، كما يسرّ القس مناجاته في الدير، لقد سئمت التيه والمسير في دروبك وطرقاتك، سئمت العيش في أوهامي، وسئمت من معانقة أوهامك، سئمت هذا الخيال الذي يشبه الاستمناء. أشعر كأني شيء غير مهم، وغير مفهوم، مبهم المعالم، لا أحد يهتم لأمري، لا أحد يخطط لاغتيالي الحكومة لا تبحث عني … الشرطة لا تستجوبني، ولا تعرف هذا الداعش بداخلي … أنا كباب ملغي … كنافذة منسية… كقنبلة موقوتة أنتظر دوري … سئمت فيك النساء أيتها الحياة، سئمت الرجال، سئمت القطط التي كلما ماءت في وجهي أرد عليها المواء لكن لا تفهمني، سئمت الكلاب الضالة التي كلما صادفتها لا تهتم لأمري، لا تنبح في وجهي كما تفعل مع الغرباء، كأني صديق أحدهم.
سئمت الملل الذي اغتصبني وفظ بكارتي، أريد أن أنسى… لا جدوى، حتى الخمر لم يعد مجديا، لا أدري ما علي فعله حيال هذا التيه والضياع؟ أ هكذا سأبقى مستلقيا في هذا الوجود، أحك خدي … أعطس وأمسح مخاطي بكفي، كأبله بلا رفقاء السوء. هذا العالم يطعنني يدوس على كبريائي…هذا العالم لعين، أوضاعه السياسية متدهورة، وحرب عالمية أخرى تطل علينا من النافذة، والساسة الملاعين يبدون الآن أكثر همجية، مجاعة هنا وتخمة هناك، لا شيء يفرق الآن إن تشاجرت مع الحياة، أو أحببت هذا الصنم. لكن كيف يمكنني أن أحب؟ … الحب شيء فطري، وأنا ممسوخ الفطرة، ألعن حاضري، وأبول على مستقبلي، هذا غير ممكن… هذا مستحيل … هذا مقرف جدا، وهذه الأصوات تضايقني، الحياة غير ممكنة على هذا النحو شعوري بالذبول يتضاعف كل يوم، كل يوم يزداد كيلو من الذبول، نضري ضعيف، وجسدي نحيل، ووجهي باهت ككلمات كتبت بالطبشور الأبيض، ثمة سواد منسكب أسفل عيني، أسناني تؤلمني وبعد أسبوع ستتساقط واحدة تلو الأخرى، سأصبح عجوزا … ستنخفض قدرتي الجنسية، ويتجعد وجهي، وتترهل أحلامي، وتتوقف أمي عن مناداتي … سيكون هذا الكون أسود حالك مثل تبان جنيفر لوبيز… تبا لهذه الحياة … تبا…
لقد انتصرت أيتها الحياة كسبت الحرب ضدي … الحرب لم تكن متكافئة سخرت كل جنودك ضدي، هنيئا لك الانتصار، ابدوا الآ أكثر تفتتا من السابق، مهووس،معصور، مطحون، مسحوق تحت أحذيتك وتقتلني رائحة جواربك بلا رحمة، سقطت كل مدني في قبضتك وصرت أسير حرب أعانق زنازينك وأعامل بوحشية لا تليق بمعدوم مثلي …لكن… لا عليك …لا يهم فثقتي بنفسي تحت الصفر … أنا بلا إرادة، وكنت الجاني على نفسي، ما كان علي أن أحلم، وأنظر بسذاجة إلى الآخرين وهم يسرقون أحلامي البسيطة ويحققونها لأنفسهم. لكن لماذا تجبرني الحياة على أن أحلم ما دامت ستضع عراقيلها في طريقي فتنسف أحلامي؟ … وتنسفني قبل أن أبدأ رحلة الركض إلى أحلامي…لماذا أنا مستثني، ومغضوب عليه، ومشطوب على اسمي من قائمة السعداء؟
متأسف لوقاحتي أيتها الحياة…لكنك لست جيدة بالنسبة لي … حاولت نعم حاولت لكن لا جدوى … نحن البشر لسنا كالآلهة، عندما يقولون للشيء كن فيكون … كل ما قلنا للحياة كوني جميلة تزداد بشاعة وكئابة، يتجعد شعرها ويضيع طلاء أضافرها وتتهاوى مساحيقها بلا هوادة … أنت هكذا أيتها الحياة تسيئين أكثر في دروب المتشائمين وتسيئين أكثر عندما يحاولون خداعك ويتفاءلون.
صباحك لا يختلف عن أي صباح، ويشبه كل صباحاتك، تخرج فيه الشمس عارية عاكسة غضبها… غير متأنقة، ولا ترتدي معطفا، ولا تضع ربطة عنق كسكرتيرة استيقظت في الصباح الباكر، وهمت بالخروج إلى عملها، نراقبها من بعيد تخترق الأزقة والشوارع بتنورتها القصيرة التي تكاد تغطي أجزاء قليلة من جغرافيتها.
لا مصداقية لك، ولا فهم كالصراعات المذهبية في الشرق الأوسط بين الشيعة والسنة، كحرب غير متكافئة بين رجل مسن وجيش من المومسين، كأرواح تموت من الجوع، وأخرى يموت أصحابها من التخمة، كمن ينام وأمعائه خاوية بينما آخرين يطلبون استشارة الطبيب لتنويع نظام غذائهم حتى ينعمون بصحة جيدة.
يا إلهي هذه الحياة تهزمني، إني أتعرض للاضطهاد، هذا الوباء يسري ويستشري في عروقي، هذا المرض يأكلني، ويتلذذ بي، لم اعد قادرا على الصراخ … على البكاء … لقد استنفذت كل حصتي،لا أريد الاستمرار وأنا محاصر، مطارد، كل الجهات مغلقة في وجهي، أنقذني أرجوك يا إلهي، أنقذ هذا الطفل الشغوف بداخلي، إنه يحتضر … يقتلع الشحوب ابتسامته …دموعه تجف وعيناه تبدوا قاحلة كأرض تئن تحت وطأة الجفاف … أنقذه الآن أرجوك …
أنا أموت، أفقد وعيي، أستيقظ … ثم أموت، وأفقد وعيي كنحر أيام العيد، أضحك … أبكي … أموت… اضرب رأسي في زاوية الباب، أستيقظ أمسح لعابي، أموت ثم أستيقظ كطفل صغير ولد أثناء القيامة، لا ألوم أحدا … أنا عدو نفسي الوحيد، أنا كسماء لا تمطر، كطريق لا يصل، خرائطي ضاقت علي وارتدت ثوب المتاهات …لا ادري لماذا أنا هنا؟وماذا افعل؟ محاط باكتئابي بلا حلم .. بلا رغبات …
وعلى ذكر الموت ،لا تضحكي علي أيتها الحياة، إن اعترفت لك أني أحب الموت فيك بشكل مختلف، كأن أشنق نفسي بخصال شعرك، لا أدري لما تستهويني فكرة الموت مشنوقا بشعرك؟ إني أكثر شخص يبحث عن الموت فيك ،يقرأ عن الموت، ويزور المقابر ليغني للموتى، ويدردش معهم في المقبرة أو عبر السكايب، نتبادل النكت … لا احد يتفاعل … لا أحد يضحك، في المقبرة وخارج المقبرة، وعند إشارة المرور … الجميع موتى..استبدلوا أغاني فيروز وعبد الحليم بالأدعية وأصوات المعزين
ماذا لو مت هكذا هنا أو هناك؟ لن يبكي احد، سيضحكون، وسيهزءون بي، ويتحدثون عن إمكانية دخولي الجنة، وحتمية تعفني بجهنم ..لا احد سيهتم … لا احد سيهتم…
رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*نص
الاسم*
البريد الالكترونى*
الموقع الإلكتروني
انشاء حساب او تسجيل الدخول
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة قاسيطة سيتي.نت وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.