جيش التحرير و الأحزاب المغربية

16 نوفمبر 2016 تحديث : الأربعاء 16 نوفمبر 2016 - 2:39 صباحًا

جيش التحرير و الأحزاب المغربية
مجيد خوخو
             لمعرفة علاقة الأحزاب المغربية بجيش التحرير، لابد من دراسة المشهد السياسي المغربي إبان تلك الفترة الحساسة والعصيبة في تاريخ المغرب، حيث كانت الساحة السياسية مسرحا لثلاث قوى سياسية: القصر يمثل قوة رمزية، وحزب الاستقلال يمثل نخبة سياسية وجيش التحرير يمثل قوة عسكرية بالدرجة الأولى لكن لم يكن له مشروع سياسي تام لأنه من الصعب جدا على هذا التنظيم الذي كان هدفه هو طرد المستعمر، وكان يعتقد أن الكل  سيصفق له. إلا أن حساباتهم كانت خاطئة “ويعلم ‹‹الجميع›› ممن كانوا يعملون خارج إطار حزب الاستقلال أن هذا الأخير حاول عرقلة عمل المقاومة وجيش التحرير، لكنه استعمل المعارك البطولية التي كانت قد انطلقت من البوادي والمدن للضغط على فرنسا من أجل قبول بعض الشروط. كانت معارك المقاومة وجيش التحرير تخدم ضمنيا مصالح حزب الاستقلال والسلطان في نفس الوقت.”1
           ينضاف إلى هذه القوى الثلاث حزب الشورى والاستقلال، حيث كان مشروعه يعوق شيئا ما مشروع حزب الإستقلال، الذي كان يخطط لإنشاء الحزب الواحد، حيث “كان الحزب مقتنعا أنه هو الحزب الوحيد الذي تحق له قيادة البلاد مع أن الأمور كانت على العكس.”2 ،إضافة إلى بعض الأحزاب الفتية التي تأسست آنذاك إلا أن وزنها لم يكن مؤثرا.
           كل هذه الأحزاب حتى وان اختلفت فيما بينها لأهداف حزبية وسياسية تقتضيها مصلحة كل حزب. إلا أنها كانت ترى في جيش التحرير تلك القوة التي تزداد يوما بعد يوم، ويمكن لها أن تسحب لهم الشرعية من تحت الأقدام،  خصوصا بعدما تيقنو أن حل القضية المغربية لم يتأتى بلغة المفاوضات، علما أن هذا الجيش هو الذي أنزل فرنسا إلى  طاولة المفاوضات في ايكس ليبان مع هذه الأحزاب التي كانت تجهل كل شيء عن واقع المعارك في أراض الميدان، وباعتبار جيش التحرير الذي كان موقفه واضحا من هذه المفاوضات (ايكس  ليبان)، حيث “كان موقف حزب الاستقلال بالنسبة لزعماء جيش التحرير خيانة لإستراتجية التحرير الشامل، وهذا ما يفسر تنامي العداء بينهم وبين الحزب”3.
            منطقيا سيتصاعد العداء بين الطرفين على اعتبار اختلاف مشروعاتهما في مواجهة الاحتلال، وبالأخص عندما صدرت “التصريحات المتوالية التي كان يدلي بهما الزعيمان السياسيان علال الفاسي وأحمد بلافريج في شهر مارس 1956، تصريحات تعلن نهاية المعارك الحربية، بيد أن هذه المعارك كانت لا زالت تدور رحاها في الأقاليم الشرقية والشمالية الغربية للبلاد الى أن اقترب صيف 1956، وهذا يدل بالمعنى الكامل على أن علال أو بلافريج لم تكن لديهما سلطة مراقبة مباشرة على كتائب جيش التحرير المغربي.”4
            ما يقال عن حزب الاستقلال ينطبق على كل الأحزاب الأخرى، بمعنى أنها كانت تراهن على المفاوضات ولم تجازف باتخاذ قرار الحل المسلح، عكس جيش التحرير الذي لم يكن يجعل من الخيار السلمي حلا من أجل انتزاع الاستقلال، النتيجة إذن في آخر المطاف وبعد أن اتضحت ملامح مغرب مستقل هو صراع من أجل اكتساب الشرعية علما أن المشهد السياسي في تلك المرحلة كان ضبابيا، وهذا ما يؤكده دايفيد سيدون: ” الآن، يزور زعماء حزب الاستقلال الريف من اجل الاتصال بزعماء المقاومة ليقنعوهم بوقف الحرب، غير أن حديث زعماء الحزب سبب في التباس كبير في أواسط المقاتلين من القبائل الذين كانوا ينتظرون القتال من أجل تحرير شمال إفريقيا كله ولم يفهموا تعقيدات الأحزاب السياسية.”5
            لمعرفة موقف هذه الأحزاب من جيش التحرير، نعود إلى ما قدمته من مساعدات لهذا الجيش لنعاين عن كثب، هل حقا كانت تسانده في محنته ضد المستعمر وهو في أرض المعارك؟ أم أن الأمر كان مجرد شعارات فقط، كان يطلقها زعماء هذه الأحزاب من مختلف العواصم العالمية؟  كما هو الشأن لعلال الفاسي الذي كان يتواجد بالقاهرة، ومجموعة من الزعماء الذين كانوا يجولون في مختلف العواصم الأوربية. “… إذن فبأي شيء تستطيع هذه الأحزاب أن تبرر أخذها لهذا المال الذي جمع باسم المجاهدين ولم يصل منه ولو درهم واحد لتعضيد مواقفهم من الحرب التي شاء الله أن تكون حاسمة مع الوجود الاستعماري و فاصلة بين عهد الاستعباد وعهد التحرر فلنترك ذلك للتاريخ  ليجيب عنه.6
            إضافة إلى ما تحدثنا عنه سالفا في ما يخص مسألة المساعدات، ندرج هذا الحوار الذي دار بين عبد الله الصنهاجي وعبد الخالق الطريس :”‹أن المصلحة الوطنية تقتضي أن تبقى المقاومة المسلحة بعيدة بخطتها عن جميع التأثيرات الحزبية، حتى تستطيع أن تؤدي مهمتها الوطنية› وعندها قال لي ‹الحمد لله الذي أوجد هؤلاء الرجال الذين لا يعتمدون في كفاحهم إلا على الله وعلى أنفسهم،لا على الطريس ولا على علال وبهذا ستنتصرون إنشاء الله على الصعاب›.”7
              من خلال هذا الحوار يتضح أن الأحزاب لم تقدم شيئا يذكر لعمل المقاومة وجيش التحرير، إلا أنها استفادت من منجزات هذا الجيش، وقامت باستغلاله في المفاوضات مع فرنسا لصالح أهداف حزبية ومصالح شخصية، ضاربة بذلك مصلحة الوطن عرض الحائط، وهذا ما يتضح من خلال ما قاله فتحي الديب (رجل المخابرات المصرية) “شعرت وكأنني أعيش وسط جماعة وجدوا أنفسهم فجأة على أبواب كنز فبدؤوا يتصارعون على بابه ليقضي كل واحد على زميله ولينفرد بالاستحواذ على الغنيمة.”8
           وبالتالي فإن موقفها من عمل جيش التحرير لم يكن فعل، بقدر ما كان رد فعل نتيجة للصدمة النفسية التي تلقاها هؤلاء السياسيين الذين تفاجئوا بظهور قوة عسكرية وسياسية بدأت تشق طريقها بثبات في المسار الصحيح لحل القضية المغربية. زاحفة بذلك على كل المشاريع التي أدخلت المغرب إلى النفق المسدود، إلا أنه وللأسف تم إجهاض هذا المشروع في مراحله الجنينية، وذلك بدخول هذه الأحزاب في مؤامرات لاغتيال وتصفية رموز جيش التحرير، أبرزها اغتيال عباس لمساعدي بفاس في 28 يونيو 1956.

البيبليوغرافيا:

1ـ أعراب (مصطفى)، الريف : بين القصر، جيش التحرير وحزب الاستقلال، منشورات اختلاف، عدد13، الطبعة الثانية، 2002، ص.24ـ25.

2ـ أعراب (مصطفى) ، الريف : بين القصر…، م.س.، ص.34.

اقرأ أيضا...

3ـ أعراب (مصطفى) ، الريف : بين القصر…، م.س.، ص.33.

Advert test

4ـ الورديغي(عبد الرحيم )، الخفايا السرية في المغرب المستعمر 1956ـ1961، مطبعة الجديدة الرباط 1980، ص.13

5ـ أعراب (مصطفى) ، الريف : بين القصر…، م.س.، ص.33.

6ـ الصنهاجي (عبد الرحمان عبد الله)، مذكرات في تاريخ حركة المقاومة وجيش التحرير المغربي من 1947الى 1986، مطبعة فضالة المحمدية، 1987، ص 209 .

7ـ الصنهاجي (عبد الرحمان عبد الله)، مذكرات في تاريخ حركة المقاومة …، م.س.، ص.205.

8ـ مبارك (زكي)، محمد الخامس وابن عبد الكريم الخطابي وإشكالية استقلال المغرب، منشورات فيديبرانت الرباط، ط 2003،ص32.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*نص
الاسم*
البريد الالكترونى*
الموقع الإلكتروني
انشاء حساب او تسجيل الدخول
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة قاسيطة سيتي.نت وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.