تاريخنا.. صفحات من ذاكرة جيش التحرِير المغربِي

2 أكتوبر 2016 تحديث : الأحد 2 أكتوبر 2016 - 1:43 صباحًا

تاريخنا.. صفحات من ذاكرة جيش التحرِير المغربِي
محمد زاهد
     كثيرا ما يتم تداول تسمية جيش التحرير المغربي. لكن القليل من يعرف المدلول العام ومختلف الجوانب التاريخية المتعلقة بمسار هذه الحركة، وامتدادها الزمني والمجالي ومنجزاتها العسكرية ورموزها وأهدافها ومبادئها الثورية. هذه بعض من صفحات الملحمة المجيدة المغيبة من ذاكرتنا والتي ينبغي أن يكون الإعلام، على الأقل، وفيا لها.
جيش التحرير أو النسخة الثانية للمقاومة
     ظهرت حركة جيش التحرير المغربي مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي زمن الكفاح الوطني ضد المستعمر لنيل الحرية والاستقلال. وقد تشكلت النواة الأولى لهذا التنظيم من مقاومين مغاربة ينتمون إلى مختلف المناطق، كما ارتبط جيش التحرير أساسا بمنطقة الشمال/ الرّيف التي تعتبر معقل حركة المقاومة المسلحة. وقد امتدت عمليا فترة كفاح حركة جيش التحرير ما بين (1953 -1956 ) بمنطقة اكزناية وأساسا مثلث الموت(أكنول- تيزي وسلي- بورد). كما تشكّلت لها قيادة عسكرية بمدينة الناظور وكانت تحت إشراف عباس المساعدي وعبد الله الصنهاجي، ثم “قيادة” أخرى بمدينة تطوان وكانت تحت إشراف إشراف د.الخطيب وآخرون من جناح الحزبيين، قبل أن تفكك مختلف فصائل وخلايا جيش التحرير بالريف وتدمج في صفوف القوات المسلحة الملكية، أو التعرض للتصفية الجسدية. فحين هناك من استمر ضمن جيش التحرير بالجنوب كاستكمال لمهام جيش التحرير بالشمال، انطلاقا من سنة 1958 قبل أن يتعرض هو الآخر لمؤامرة التصفية والتكالب في إطار ما يعرف بعملية “إيكوفيين”، ومن ذلك أيضا كانت الجذور الأولى لظهور نزاع الصّحراء.
     أما القاعدة البشرية الأساسية التي ارتكز عليها هذا التنظيم المسلح، فتكونت أساسا من مقاومين ينتمون أساسا إلى منطقة الريف والأطلس المتوسط والكبير، كما أن جيش التحرير كان جيشا منظما وله أهداف محددة ورؤية إستراتيجية وضوابط عمل ومقررات، وليس مثلما ظلت تروج بعض الكتابات من انه مجرد جيش فوضوي وغير منظم. يقول الباحث محمد المرجان في موضوع حول المدلول الاجتماعي للمقاومة وجيش التحرير (53-56) :”لم يكن حدث تأسيس جيش التحرير حدثا يتيما ولا طارئا وإنما حلقة من حلقات المقاومة المغربية على مدى التاريخ، التي اعتبرها المقاومون أنفسهم إرثا يجدد بشكل دائم عهد في الأسلاف”.
     لقد كانت العناصر التي أسست النواة الأولى لفصائل جيش التحرير بمثابة المعبر الحقيقي في تلك المرحلة عن آمال وطموحات المغاربة في التحرر والانعتاق، لاسيما أمام التضحيات التي قدموها في سبيل هذا الوطن. والحديث هنا عن جيش التحرير والدور الريادي الذي قام به، لابد أن يقترن ذلك بالمجهود والدور البطولي الذي قام به محمد بن عبد الكريم الخطابي على مستوى دعمه ونضاله من أجل تأسيس جيش التحرير وتقديم المساعدة له وتكوين أشخاص للمساهمة في إعداد شروط ثورة التحرير.
جيش التّحرير كما يرويه المؤرّخون
     ومن جانب أخر، فقد كانت البداية العملية لانطلاق العمليات العسكرية لجيش التحرير هي 2 أكتوبر 1955 كمحطة بارزة في مسار هذه الحركة، وهو ما يشير إليه ذ.زكي مبارك في تقديم كتاب جيش التحرير المغربي:”إن ميلاد جيش التحرير يوم 2 أكتوبر 1955 و إعلانه عن مبادئ وأهدافه بكل وضوح، حدث تاريخي هام، يحتل مكانة مرموقة في تاريخنا المعاصر، وتاريخ كفاح شعبنا وجهاده من أجل الحرية والاستقلال.
     كما أن انطلاقة جيش التحرير(2-10-1955) تسجل قطيعة بين أسلوبين من الكفاح، أسلوب المهادنة والدبلوماسية والمفاوضات وأنصاف الحلول، وأسلوب سجّل العمق الوطني والشعبي للكفاح المسلح بقيادة جيش التحرير الذي استقطب المجاهدين من كل جهات المغرب”.
     وإذا كان جيش التحرير قد جسد قطيعة مع أسلوب نضالات رجالات الوطنية المدينية، فقد جسد في مقابل ذالك قوة وطرفا وازنا يعبر عنه أحمد الكوهن قائلا:” فجيش التحرير المغربي(…) قد عرف تنظيما صلبا وفعالا وذلك من فترة التأسيس”.
     إن الحقيقة التي جعلت من حركة جيش التحرير الوطني واقعا جعل الاستعمار الفرنسي أساسا يحس بأن تواجده بالمغرب أصبح مهددا وأن مسالة بقائه هي مسالة وقت فقط، هو كونه استمر على نهج المقاومة المسلحة وكان نتاج موضوعي وطبيعي للشروط القائمة بالمغرب آنذاك. وأمام تصاعد وتيرة نضاله وكفاحه بالمغرب وثورة المليون شهيد بالجزائر وكفاح الشعب التونسي، قررت فرنسا منح استقلال شكلي لكل من المغرب وتونس على أساس أن تتفرغ للقضاء على حرب التحرير الجزائرية، وهو ما قوبل برفض من طرف جيش التحرير وأصر على استكمال معركة الكفاح، خاصة وان هذا التنظيم كان قد بدأ في وضع لبنات جيش التحرير المغاربي، وتشكلت لهذه الغاية لجنة تنسيق بين المغاربة (عبد الله الصنهاجي وعباس المسعدي) والجزائريين (محمد بوضياف والعربي بالمهدي) وذلك منذ تاريخ 19 يوليوز 1955 على أساس تحقيق المبادئ والأهداف الثلاثة.
     وإذا كان جيش التحرير قد مثل نقيض خيار العمل السياسي كبدعة اهتدى إليها وطنيو ما بين الحربين، فانه استطاع أن يمثل الخيار الوطني والشعبي الصادق الذي جعل طبول الحرب التحررية التي دقت تعجل برحيل المستعمر. فهل سيتم رد الاعتبار لهذه الحركة التي صنعت أمجاد المغاربة؟
     يعتبر جيش التحرير المغربي الذي تأسس في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، الامتداد العضوي والطبيعي والاستمرارية الموضوعية لحركة المقاومة المسلحة وروح الحركات التحررية التي ظهرت مع بداية القرن العشرون أهمها حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي. والواقع، فعلاقة جيش التحرير بحركة الخطابي علاقة استمرارية وتكامل بين رمز تحريري عالمي، وحركة مكافحة ضد المستعمر.
من المقاومة إلى جيش التّحرير
     ومما يؤكد هذه الصلة والعلاقة الوثيقة والوطيدة التي ظلت قائمة بين حركة جيش التحرير وعبد الكريم الخطابي، التطابق التام بين الأهداف والمبادئ والآليات والخيارات السياسية والعسكرية التي قامت عليها كل من حركة جيش التحرير الوطني والحركة التحررية التي قادها البطل الخطابي، وهو ما يؤكده عبد الرحيم الورديغي في كتابه “الخفايا السرية في المغرب المستقل”، إذ يقول: “وبالفعل، فقد كان محمد بن عبد الكريم الخطابي الرئيس السابق للمقاومة بالريف المغربي، يساند فكرة تقوية جيش التحرير والاحتفاظ بهيئته علي شكله الراهن، ويرفض أن يفرق الجيش ويدمج في القوات المسلحة الملكية قبل أن ينهي بصفة تامة المفاوضات مع”المغرب العربي” وفرنسا، فحسب ذكر بنعبد الكريم، فان جيش التحرير المغربي الذي أنشاه مكتب “المغرب الكبير” بالقاهرة لم يستعمل لإغاثة المغرب وتونس لوحدها، بل يستعمل أيضا لإغاثة الجزائر في تحريرها”. ويضيف نفس الكاتب: (…) وقد أدرجت فكرة بنعبد الكريم هذه في منشور وزع بمدينة فاس، على يد أركان الحرب العليا لحركة المقاومة وجيش التحرير بالريف”.
     إن ما يعزز الرأي القائم بوجود علاقة وطيدة بين جيش التحرير وبن عبد الكريم الخطابي، هو مسلسل النضال الذي واصله الخطابي بعد إنزاله بمصر من خلال لجنة تحرير شمال إفريقيا في سبيل تأسيس نواة جيش التحرير بأقطار شمال إفريقيا قصد مواصلة الكفاح المسلح ضد المستعمر، الأمر الذي يفسر إرسال الخطابي للعديد من البعثات والوفود للتكوين في مختلف المدارس العسكرية بسوريا والعراق قصد إعدادهم للانخراط في تكوين فصائل جيش التحرير، وكذا إمداد هذه الأخيرة بالأسلحة والعتاد الحربي، علاوة على نداءاته المتكررة الموجهة لجيش التحرير قصد مواصلة الكفاح المسلح حتى تحرير كل أقطار المغرب الكبير، وهو ما يؤكد من جهة أخرى تطابق مبادئ جيش التحرير وحركة المقاومة المسلحة بزعامة الخطابي (الكفاح المسلح، الاستقلال التام، المصير المشترك لأقطار الثلاثة : المغرب، تونس، والجزائر) وقد سبق لعثمان بناني أن توقف عند هذه القضايا في موضوع نشر بمجلة أمل (عدد 8) تحت عنوان “محمد بن عبد الكريم الخطابي ومسألة استقلال المغرب”.
عناصر دالّة وادعاءات خاطئة
     إن الصلة الوثيقة وعلاقة الامتداد العضوي المذكورة سابقا، تناولها بإسهاب الباحث محمد لخواجة في كتابه (جيش التحرير المغربي، مذكرات للتاريخ أم للتمويه) من خلال خمس عناصر دالة على طبيعة هذه العلاقة، في مقابل ذالك، فهي تفند الادعاءات القائلة بأن جيش التحرير لم تكن له صلة بعبد الكريم الخطابي، في الوقت الذي نجد فيه أن مختلف الأطراف الأخرى، ومنها الأحزاب السياسية المغاربية، ظلت تتملص من عمليات جيش التحرير وتقوم بمناورات من اجل استمالة أعضاءه واستغلال كفاحهم ضد المستعمر من أجل التفاوض والمساومة، ولعل ما يذكره العديد من قادة جيش التحرير حول تصرفات هذه الأحزاب خير دليل على ذالك. في هذا الصّدد، يقول محمد أرواضي في كتابه “الأغلبية المخدوعة” عن هذا الموضوع :”إن جيش التحرير تطور طبيعي للمقاومة، لأن المقاومة اختيار موضوعي لإطار العام أو الخاص الذي تعيش في وسطه، لكي تؤدي رسالتها بنجاح يكفل استمرارها وتقويتها”.
     وإذا كانت هذه الشهادات والكتابات تصب في اتجاه تأكيد العلاقة الموضوعية بين جيش التحرير والأمير الخطابي، فإن ما يعزز هذا التكامل والامتداد القائم بينهما، هو المصير المشترك الذي تعرض له قادة جيش التحرير ومصير قادة المقاومة وذاكرة ورموز الحركة التحررية المغربية، وهو الأمر الذي يستدعي طرح أكثر من تساؤل عريض.
     وعودة إلى القرائن والكتابات التي تناولت طبيعة العلاقة الروحية بين جيش التحرير والبطل الخطابي، نشير إلى ما ذكره الأستاذ زكي مبارك الذي أكد أن عباس المسعدي كان على علاقة جيدة بعبد الكريم الخطابي، وقد سبق لقائد جيش التحرير أن قام بزيارة إلى مصر والتقى الزعيم الخطابي، وهو ما يفسر إصرار الطرفين على ضرورة مواصلة الكفاح ورفض إلقاء السلاح .
رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*نص
الاسم*
البريد الالكترونى*
الموقع الإلكتروني
انشاء حساب او تسجيل الدخول
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة قاسيطة سيتي.نت وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.