أنوال.. الملحمةُ الخالدة

18 يوليو 2016 تحديث : الإثنين 18 يوليو 2016 - 4:55 مساءً

أنوال.. الملحمةُ الخالدة
رضوان بخرو
      قريباً، ستحل علينا الذكرى 95 لملحمة أنوال الخالدة؛ هذه الملحمة التي سطّر الريفيون وقائعها بمداد من فخر على صفحات تاريخ المغرب، وتاريخ حركات التحرر على المستوى العالمي.
        في يوم 21 يوليوز من عام 1921، كان الريفيون على موعد مع التاريخ، لرفع هامة كل ريفي، وكل أحرار العالم، عندما قدّموا درساً تاريخياً في الاستماتة في الدفاع عن الوطن، ومقاومة الجيش الإسباني الغاصب، وكبّدوه خسائر مُهولة وفادحة في الأرواح والعِتاد، ومرَّغوا سُمعة هذا الجيش القوي في الأوحال الريفية بأنوال الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط وسط الريف، ولم ينجُ من هذا الفخ الريفي المُحكم، غير أفراد قليلة من الإسبان، و الذين لاذوا بالفرار صوب مدينة مليلية يجُرّون خلفهم أذيال الخيبة والهزيمة، وهم لم يُصدقوا هولَ الفاجعة التي ألمّت بهم.
       أما الجنرال الاسباني المتعجرف “silvistre”؛ فبعدما لم يجد فرصة الإفلات بجلده، أمام قوّة الزحف الريفي أقدم على الانتحار، وهو من كان بالأمس القريب يُصرّح أن غزو الريف لا يعدو أن يكون نزهة! وسيسحق الريفيين في وقت قياسي، والأكثر من ذلك وعد بشرب الشاي بأجدير في منزل ” مولاي  موحند” المهندس الحكيم والعقل المدبر لحرب الريف التحررية، لكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر.
        وما تزال إلى يومنا هذا الأدبيات الإسبانية تتحدث عن هزيمة أنوال أو ما تسميها بـ “Disastre De Anual”  أي “نكسة أنوال” بكثير من الدهشة والأسف، أما بخصوص حصيلة الخسائر التي نجمت عن هذه المعركة البطولية فقد ذهبت المصادر التاريخية إلى تقديرها في مقتل حوالي 16 ألف عسكري إسباني بمن فيهم ضابط القيادة العامة و الجنرال سيلفستري المُنتَحِر، كما يشير الأستاذ عزالدين الخطابي نقلا عن ميكل مارتين بصدد غنيمة المعركة إلى أن الريفيين قد حصلوا على “أكثر من 20 ألف بندقية، 400 رشاشة، و129 مدفعا وعلى مستودعات الذخيرة والمؤن، وعلى مليون رصاصة وعدد كبير من السيارات والشاحنات، وذلك نتيجة استيلائهم على أزيد من 100 موقع عسكري” (عزالدين الخطابي: محمد بن عبد الكريم الخطابي، القائد الوطني. منشورات تفراز ناريف 2003، ص 31)، وقد كانت هده الغنائم هي الأداة التي أعطت لمولاي موحند إمكانية تأسيس جيش عصري لاحقاً وتأسيس الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف، ومجموعة من الاصلاحات التي قادها الأمير الخطابي إلى غاية الإجهاز على هذا الكيان الفتي عبر قنبلة الريف بالأسلحة الكيماوية المحظورة دوليا، وسحق أبناءه بواسطة الطيران الاستعماري.
       لقد حقق الريفيون هذا الانتصار العظيم على القوات الاسبانية بأنوال، بالرغم من عدم تكافؤ المعركة بين جيش أوروبي عصري منظّم، يمتلك عتاداً حربياً ضخماً، مقابل مجاهدين وثوار ريفيين ليس بحوزتهم غير قطع من الأسلحة التقليدية البسيطة والتي لن تسمن ولا تغني من جوع. إلا أن كلمة الحسم كانت للريفيين من خلال إرادتهم، وعزيمتهم، وإيمانهم بعدالة قضيتهم واستقلال وطنهم، للتفوق على الجبروت الاسباني وإذلاله فوق تراب الريف الطاهر، وقد أورد الدكتور علي الادريسي أنه عندما سئل مولاي موحند: «كيف انتصر على الإسبان بأنوال بهذا الضعف وهذه القلة العددية؟ أجاب: نحن لسنا ضعفاء وإنما نحن لاشيء، ولكن عوّضنا القوة الإسبانية بالقوة الأخلاقية».
       كان لانتصار أمازيغ الريف في ملحمة الذهب والدم، بتعبير الاستاذة زكية داوود صدىً واسع في مختلف بقاع العالم، وجعل إسم الريف أشهر من نار على علم، وكسب من خلالها مناصرين ومتعاطفين في مشارق الأرض ومغاربها بشجاعة أبناءه (الريف)، هذا الشعب الصغير الذي قال عنه  الفرنسي “أوجيست مولييراس” بأنه: « يعشق موطنه إلى حدّ العبادة وهو العرق الوحيد الذي لن يقول عنه التاريخ أي سوء» (أوجيست مولييراس: المغرب المجهول، اكتشاف الريف. ترجمة عزالدين الخطابي، منشورات تفراز ناريف 2007، ص 46)، وقد تمكن شعب الريف ببسالته المعهودة أن يعيد الأمل إلى كل الشعوب المقهورة والمضطهدة، والتي ترزح تحت نير الاستعمار  في رسالة مفادها الإرادة والإيمان بالحرية، بإمكانهما التفوق على قوة السّلاح، وخاصة سلاح المحتل الغاصب، ولم يكن قائد ثورة الريف ابن عبد الكريم مخطئا عندما قال:« الاستعمار وهمٌ  يتلاشى أمام عزيمة الرجال وليس أشباه الرجال»، إذ لم يَهزم رجال المقاومة الريفية في موقعة أنوال اسبانيا فحسب، بل زعزعوا وزحزحوا المشروع الكولونيالي برمّته من فوق عروشه، الشيء الذي جعل من الحركة التحررية الريفية تجربة ناجحة، ومدرسة رائدة ظلّ العالم ينهلُ ويستقي منها دروساً في الدفاع عن الوطن والتحرر من براثن الغطرسة الاستعمارية، وخاصة من خلال الإستراتيجية الحربية التي ابتكرها واعتمدها القائد مولاي موحند في دحر العدو، وهنا يتعلق الأمر بـ”حرب العصابات” التي تعتمد على مباغتة الخصم وخلخلة صفوفه ببعث الرعب والفزع وسط جحافله، وما ساعد على نجاح هذا الأسلوب أكثر، بنية التضاريس الجبلية لبلاد الريف المُتّسمة بالتعقّد والوُعورة.
       وقد كانت تجربة أمازيغ الريف التحررية ومبدعها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي مُلهمةً لكل شعوب العالم، ولم يُخف كل ثوار العالم تأثّرهم بتجربة الريفيين واستفادتهم منها، وهاهو جرمان عياش ينقل في كتابه ” أصول حرب الريف” شهادة الزعيم الصيني ماوتسي تونغ الذي قال بأن« دروس المقاومة يجب أن تستمد من القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي فهو المعلم الذي أفادنا بتجربته»، ونفس الشيء حدث لهوشي منه، وتشي غيفارا… في استلهامهم للنموذج الريفي.
       وها نحن اليوم، قد مرّ 95 سنة على ملحمة أنوال المجيدة، و60 سنة على جلاء الإسبان، فماذا قدمت الدولة المغربية تكريما لروح الشهداء الريفيين الذين استرخصوا دماءهم في سبيل الاستقلال والحرية، وفي سبيل هذه الربوع الطاهرة من تراب الوطن. فعذرا أيها الشهداء، فإن الدولة القائمة بالمغرب قد كافأت أبناءكم وأحفادكم بالإقصاء، والتهميش، وطمس تاريخكم وتزويره.
       لكن كل هذا الحيف، الطّمس، الجشع المخزني والحصار المضروب على تاريخ الشهداء، وأحفاد الشهداء، لن ينالَ من تاريخ الشعب الريفي الذي سطّره الأجداد بدمائهم الزّكية، ولن ينال من حركة التحرر الريفية باعتبارها إحدى الملاحم التي ستظل خالدة في ذاكرة الإنسانية والتاريخ أبد الدهر.
رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*نص
الاسم*
البريد الالكترونى*
الموقع الإلكتروني
انشاء حساب او تسجيل الدخول
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة قاسيطة سيتي.نت وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.