هل أصيب لحسن الداودي بعدوى “الكوليرا السياسية” القاتلة*؟

13 يونيو 2016 تحديث : الثلاثاء 21 يونيو 2016 - 5:21 صباحًا

هل أصيب لحسن الداودي بعدوى “الكوليرا السياسية” القاتلة*؟

محمد زاهد

تؤكد كل الدراسات والأبحاث العلمية المنجزة من لدن خبراء الطب والباحثين في مجال الأمراض المعدية والأوبئة على أن داء “الكوليرا” هو مرض بكتيري معد قصير الأمد، يسببه نوع من البكتيريا تسمى (فايبريو كوليرا)، يصيب الجهاز الهضمي وخاصة الأمعاء الدقيقة، حيث يتكاثر وسطها ويفرز سموما تؤثر على عملها فيجعلها تفرز السوائل والأملاح بكميات كبيرة جدا، بعد الإصابة بإسهال واستفراغ حاد ومتكرر، مما يؤدي إلى جفاف في الجسم”.

ذات الأبحاث أكدت أن وباء الكوليرا مرض “بكتيري يصيب الأمعاء لتفرز الأملاح والسوائل بكميات مرتفعة مما يسبب حالات الإسهال المائي ويمكن أن يؤدي الاسهال إلى الجفاف والذي قد يؤدي بدوره للوفاة وتقل نسبة الوفيات إذا كان العلاج سريعا. فضلا عن كون “الهَيْضَة” أو الكوليرا Cholera يُصنف كأحد الأمراض المجهرية التي قد تسبب أوبئة في حال عدم السيطرة عليها”. ولعل الذاكرة الجماعية للمغاربة وكتب المؤرخين حول المجاعات والأوبئة التي ضربت البلاد تختزل الكثير من المآسي التي خلفها انتشار واجتياح هذا الوباء للمغرب الأقصى، لاسيما خلال القرنين 18 و 19، حيث كان يحصد عدد لا يحصى من الأرواح، على غرار بلدان ومناطق مختلفة من العالم كآسيا مثلا، في ظل انعدام الشروط الصحية ومحدودية التطبيب ونقص الإمكانيات وطبيعة الشروط الاجتماعية آنذاك للمجتمعات البشرية. ومع التطور الحاصل في مجالات العلوم والطب والتقدم الاجتماعي والاقتصادي، تراجع مستوى انتشار وباء “الكوليرا”.

بعيدا عن عالم “الكوليرا المرضية” أو العضوية، وقريبا من عالم “الكوليرا السياسية”، وما أدراك ما هذه الأخيرة، خاصة وأن المستنقع الراكد للحياة الحزبية والسياسية أصبحت تنسل منه بعض الكائنات التي يبدو أنها تحمل الكثير من أعراض الإصابة بهذا المرض، ك “السليان” و”الإسهال” و”الاستفراغ”…، بعيدا، إذن، عن ذاك، وقريبا من هذا، فالصورة تبدو أقرب إلى الحقيقة، ومعذرة عن هذا الاستلهام المقترن باسقاط الحالة الأولى عن الحالة الثانية، وفي النماذج والحالات التي تطبع الواقع خير دليل على انتقال عدوى بكتيريا (فايبريو كوليرا) لتعشعش في هذا المستنقع، خاصة وأنها بكتيريا تصنف كما يؤكد المختصون كأحد الأمراض المجهرية التي قد تسبب أوبئة في حال عدم السيطرة عليها. فهل سيتم السيطرة عنها إذن داخل رقعة الحياة السياسية والحزبية والثقافية بالمغرب حتى لا تسبب أمراضا أخرى ستزيد من حدة الحالة المقززة القائمة؟. (مع متمنياتي ألا يصيب أي مكروه أو مرض صحة وعافية “زعمائنا السياسيون والحزبيون”، الخالدون والماهدون منهم، وأن يديم الله بقائهم ودوامهم، خدمة لهذا البلد الأمين، وحرصا على ضمان استمرار وجودهم السياسي، وخلودهم الأبدي فوق عروشهم، وكثير منهم خلق ليموت جالسا على كرسيه، مطمئنين لبقائهم الدائم، رغم أنهم يرددون أن البقاء لله وحده، وأن الديمقراطية -المفترى عليها والمغلوب على أمرها- لا تضمن الخلود وتؤمن بالتغيير وتعاقب الأجيال، وتجعل من السياسة مبادئ وقيم وتربية).

والحال أن “مصائب قوم عند قوم فوائد”، فمصائبنا صارت تتعاظم، وفوائدها تتكاثر، وفي التكاثر تنسل الكائنات السياسية من المستنقعات تبعا لتكشف عن حالة إصابتها بعدوى الوباء، كما هو حال لحسن الداودي، وزير التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، يا حسرتاه وأسفاه، والقيادي في حزب “البيجيدي” الإسلاموي الذي يدعي المرجعية الدينية والأخلاقية، ولم يسعفه ذلك في تنقية النفس الأمارة بالسوء، وحسن تربيتها، يا حسرتاه وأسفاه مرة ثانية، وفي حديثه الأخير بالبرلمان عن “العنف الجامعي”، أحسن صورة وأبلغ نموذج عن ذلك.

لقد قال الداودي كل شيء ولم يقل شيئا في حديثه هذا. تحدث عن الجامعة وعن “العنف الفصائلي”، وهو حديث ينم عن أمرين اثنين لا ثالث لهما. فإما أن الذي تحدث بالبرلمان، ويفترض أنه وزير التعليم العالي، لا يعرف حقيقة الواقع كما هو بكل تفاصيله، وهو بذلك لا يستحق أن يشغل المنصب الحكومي الذي يتولاه، وإما أنه يحاول أن يخفي هذه الحقيقة بالغربال، وفي ذلك احتيال عن الواقع، وأيضا فيه نوع من ممارسة الديماغوجية السياسية؛ أو ما أطلق أحد الكتاب المرموقين ب “اللماظة السياسية”، ولعل ما يؤكد إحدى الفرضيتين هو الاتهام الصريح والباطل والظالم للمناضلين الذين كانوا في استقبال معتقل الحركة الثقافية الأمازيغية مصطفى أوسايا بكونهم كانوا مدججين بالأسلحة البيضاء (بما تحمله كلمة “مدججين” من تقزز باعث عن القي)، في الوقت الذي يعرف الداودي حقيقة ما أصبح يعرف ب “العنف الجامعي”، وجذوره التاريخية وأسباب وجوده، وكذا المكونات والفصائل الطلابية التي اقترن نضالها بممارسة العنف المادي والمعنوي، وكيف كلف ذلك الجامعة المغربية ضريبة غالية لازالت تؤديها إلى اليوم. كما يمكن أن يعني ذلك فشل الداودي لحسن “الأمازيغي” اللسان، و”الإسلاموي” الذهنية في اتخاذ التدابير الاستعجالية والإصلاحية التي من شأنها المساهمة في حل أزمة الجامعة المغربية الخانقة، كيف لا وآخر دراسة أكدت عدم وجود أية جامعة مغربية ضمن تصنيف ال 500 من الجامعات الأولى في العالم من حيث مستوى وجودة التعليم بها…

الأمر الثاني، هو أن ما فعله الداودي كمثل ما يفعله بعض “خطباء” الجمعة الذين يستغلون منابرهم لتمرير خطاب تيارات الاسلام السياسي، وكثير منهم يصرف في مناسبات عدة خطاب العدالة والتنمية وجناحها الدعوي، إذ أن الداودي هو الآخر استغل منبر المؤسسة التشريعية ليطلق اتهاماته ويكشف عن حقده الدفين، كما هو عادة حال مواقف حزبه، تجاه كل ما هو أمازيغي، وهو بذلك يظهر أيضا إصابته بعدوى “الكوليرا السياسية” التي تبدو أعراضها من خلال المواقف المعبر عنها من طرف السي الداودي وأمثاله من “نخب” سياسية وحزبية وثقافية وفكرية تجاه قضايا وإشكالات عدة؛ إذ في الوقت الذي كان من المفترض أن تسرع حكومة “عبدو” على الأقل في إخراج القانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، إسوة بقوانين تنظيمية أخرى تضمنها المخطط التشريعي للولاية الحالية، وبدل أن يسارع لحسن الداودي نفسه إلى إحداث كرسي اللغة والثقافة الأمازيغيتين في الجامعات المغربية، وهو أقل ما يمكن أن يقوم به، في إطار رد الاعتبار لها والمصالحة مع الهوية والذات، لا نلمس سوى المزيد من عزلها وإقصاءها عن سابق إصرار، والخطير في هذه المسألة ما تخفيه هذه التصريحات والممارسات التي تؤكد المعطى القائم بخصوص الحالة المرضية – الوبائية، طبعا بالمفهوم والدلالة السياسية وليس اللغوية والاصطلاحية، لمثل هذه الكائنات الحزبية، حتى أننا في هذه الحالة نجد أنفسنا أمام مقولة: “سكتا ألفا ونطق خلفا”، وفي ذلك يبدو وجود عرض من أعراض الإيديولوجية الوبائية لأمثال هذه الكائنات المنسلة من وسط هذا المستنقع.

فماذا يحدث إذن؟ إنه السؤال الحامل بين دفتيه لأكثر من أهمية وراهنية ومغزى سياسي. لكن، أليس الجواب هو القول بأن ما يحدث هو العبث بعينيه، الذي ما بعده عبث، وهو العنوان العريض لما يطبع المشهد السياسي والحزبي بالمغرب؟ مشهد أقرب إلى صورة الرجل المريض، في زمن “التماسيح” و”العفاريت” و”الذئاب” و”الثعالب” والخطابات السياسية المهترئة، واجتياح الوباء الخبيث وعدوى المرض. والمؤكد أن الأمر لو طال على هذا المنوال، فإن أوبئة أخرى ستجتاح هذا الوطن الجريح، يوم لا ينفع ندم ولا تشخيص ولا علاج ولا إصلاح ولا وقاية. أوبئة سياسية ستفتك بالأجيال الحالية والقادمة لا محالة.

(* هذا المقال- الرأي منذ أسابيع وأنا أطوف به على بعض المواقع الإلكترونية لتنشره دون جدوى!).

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*نص
الاسم*
البريد الالكترونى*
الموقع الإلكتروني
انشاء حساب او تسجيل الدخول
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة قاسيطة سيتي.نت وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.