معتوب لوناس.. أو الابن البار لأمه الأمازيغية

25 يونيو 2016 تحديث : الثلاثاء 28 يونيو 2016 - 4:00 مساءً

معتوب لوناس.. أو الابن البار لأمه الأمازيغية

قاسيطة سيتي: رضوان بخرو

    يصادف اليوم، الذكرى 18 لاغتيال المناضل والفنان الأمازيغي معتوب لوناس؛ ففي يوم 25 يونيو من عام 1998 ستزرع أيادي الغدر والظلام بذور الموت في منطقة تيزي وزو وتغتال بطريقة وحشية نبراس الهوية الأمازيغية، حوالي منتصف النهار وفي منطقة جبلية تقع على بعد 25 كلم من عاصمة الولاية تم استهداف الفنان الأمازيغي القبائلي معتوب لوناس عند حاجز أمني وهمي، بعدما أمطرته جماعة ارهابية مسلحة بوابل من الرصاص، وهو ممتطيا سيارته رفقة زوجته نادية.  ولد صاحب ” المتمرد ” بتاريخ 24 يناير 1956، بقرية تاوريرت نموسى وعمار الواقعة بين ثنايا جبال القبايل قرب تيزي وزو الجزائرية.

    تشبّع لوناس مبكّرا بالقيم الإنسانية والحضارية الأمازيغية، التي تتأسس على حب الأرض واللغة، وكان من الأوائل الذين انتفضوا ضد سياسة التعريب، وهو لازال  طفلاً يافعاً خلال دراسته الإبتدائية؛ حيث كان ينتقد بشدة أستاذه المتسلط الذي كان يتحدث لغة لا يفهمها معتوب ورفاق دربه ـ هذا ما أورده في سيرته الذاتيةـ  كما كان يمنعهم من التحدث بلغتهم الأم، وذلك في أبرز تجليات ما يسميه عالم الاجتماع التربوي الفرنسي “بيير بورديو” بالعنف الرمزي.

    تصرفات هذا الأستاذ الذي يروّج وينفّذ إديولوجيا تفرضها جهة معينة، ومتعسفة  لتعسف ثقافي ستقلب حياة لوناس رأساً على عقب، وستحوله من طفل مهذب وخلوق إلى آخر مشاغب وعنيد، هذا ما سيدخله في دوامة من المشاكل مع إدارة المدرسة التي كانت تحتضنه، قبل أن يغادرها مُكرها مع ما جناه من أستاذه من عقد سيكولوجية وحالة نفسية مضطربة وهولا يزال في عمر الزهور.

    عشق سليل “لالا علجية” لغته وثقافته الأمازيغيين إلى حد الجنون، كان الدافع الأساسي لمحاولته تنظيم الأشعار بلغته الأم قبل أن يصبح في وقت وجيز مغنيا متألقاً ومداعباً رائعا لآلته الموسيقية، بالإضافة إلى صوته العذب وحنجرته الذهبية، تطّرق في غناءه الملتزم والهادف لمختلف المواضيع الإجتماعية والثقافية والسياسية، مما سيجعل منه فنانا محبوباً لدى القبايليين وأمازيغ ثمازغا والدياسبورا بشكل عام.هكذا شقّ صاحب أغنية “أييزم أدا تلليذ” طريقه بثبات نحو النجاح والعالمية قبل أن  يقرر السفر إلى فرنسا ليستحق لقب “سفير القضية الأمازيغية ” عن جدارة واستحقاق.

    انتقاد صاحب مقولة: “قد يغيب نجم عن السماء، لكن لن تبقى السماء بدون نجوم” للنظام المركزي الجزائري وجماعات الإسلام السياسي، انتقادا  صريحاً وحاداً في ما يسمى بين آلاف الأقواس عروبة الجزائر وشمال افريقيا، ورفضهم التعدد والتنوع اللغوي والإثني، والثقافي لبنية الشعب الجزائري الإجتماعية، سيخلق له مشاكل جمة، لكن إيمانه الراسخ بعدالة القضية الأمازيغية، جعله لا يأبه بتهديدات أعداء الحياة وأعداء الحرية والديمقراطية.

    إن استغلال رواد الاسلام السياسي للدين لغرض تعريب ايمازيغن كان النقطة المحورية، التي دفعت لوناس إلى مناداته بفصل ما هو ديني عن السياسي، وذلك بتبنيه العلمانية، التي صرّح بها أكثر من مرة في مقابلاته التلفزيونية مع القنوات الفرنسية، كما ناضل بكل ما أوتي من قوة من أجل اللامركزية، التنمية، رفع الحيف والتهميش عن الشعب الأمازيغي، وضد تزوير تاريخ شمال افريقيا.

   حقا إنه رجل ذو مبادئ وقناعات راسخة كان يعبر عن أفكاره الجريئة و إن كلفه الأمر حياته، كيف لا وهو القائل: ” أفضّل أن أموت من أجل أفكاري على أن أموت على فراش الشيخوخة أو المرض” آمن بحرية التعبير والإختلاف والتعدد والرأي الآخر، لأن هذه المفاهيم هي التي تؤسس لدولة الحداثة والديمقراطية والمواطنة الحقة، وليس إقصاء الآخر وحرمانه من حقوقه التي تكفلها له كافة الشرائع السماوية، والمواثيق الكونية لحقوق الإنسان.

    إنه من القلائل الذين أخذوا من وقت أسرتهم، ليكرّسوا حياتهم خدمة للقضية الأمازيغية، التي تحاول الأنظمة العروبية القائمة بشمال افريقيا محصارتها بالأشواك، وذلك بهدف إقبارها ومحو آثارها من الوجود، لكن درجة الوعي بالذات كانت أكبر لدى صاحب قولة “سأواصل المعركة رغم كل شيء”؛ وبالفعل واصل معركته التي بدأها رغم تعرضه لمحاولة اغتيال، واستقبال جسده النحيف لخمس رصاصات من رشاش الدرك الجزائري في أكتوبر1988 . وبما أن الأنظمة الدكتاتورية لا ترى مانعاً في اجتثاث كل صوت ديمقراطي حر، يزعجها ويزلزل كيانها، فقد تنبأ لوناس بأن طريقه لن يكون مفروشاً بالورود ومصيره لن يختلف عن كل من فضّل قول لا في زمن نعم فقال: “نظرت إلى شرفي فرأيت حوله كل  الجلادين، لم تعد لي قوة ولكن بقي لي صوت قوي سيسمعونه حتماً” هذا فعلا ما سيحدث بعد 10 سنوات وكما كان السيناريو متوقعاً ستباغت آلة الموت في25يونيو1998 لوناس وترديه جثة هامدة برصاصات غادرة بعد أن تربص به أعداء الديمقراطية لفترة من الزمن، فكان لهم ما أرادوا، جثة معتوب وليس فكره لأن الأفكار لايمكن أن تمنعها، و تعتقلها أو تقتلها، كما قال ماركس:” تستطيع أن  تقطف ما شئت من الزهور، ولكنك لن تستطيع منع زحف الربيع” .

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*نص
الاسم*
البريد الالكترونى*
الموقع الإلكتروني
انشاء حساب او تسجيل الدخول
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة قاسيطة سيتي.نت وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.